الأربعاء، 18 مارس، 2015

وبلغ أربعين سنة

الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهدى للعالمين،
وبعد:
اليوم الأربعاء السابع والعشرون من شهر جمادى الأول من عام 1436هـ قد بلغت الأربعين،
فتذكرت اليوم قول الحق سبحانه وتعالى: 
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } [الأحقاف: 15، 16]
فأقول استجابة لتعليم ربي جل في علاه:
(رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
قال الحافظ ابن كثير : في تفسير الآية:
وَهَذَا فِيهِ إِرْشَادٌ لِمَنْ بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ أَنْ يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ وَالْإِنَابَةَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيَعْزِمُ عَلَيْهَا ا.هـ
وفي تاريخ دمشق (45/ 248)  لابن عساكر
بسنده الصحيح:
عن يعقوب بن سفيان الفسوي قال:
حدثني عبد العزيز بن عمران
نا ابن وهب
عن يعقوب بن عبد الرحمن
عن أبيه وعبد العزيز بن عمر قالا:
 كان عمر بن عبد العزيز : يقول:
إذا بلغت الأربعين فآذنوني حتى أقول الذي أمرني الله
قال فلم يبلغها قال عبد العزيز كان يقول لنا يعني لولده ا.هـ
قال خليفة بن خياط في تاريخه:
قَالَ الْأَصْمَعِي
عَن ابْن أَبِي الزِّنَاد
عَن عَبْد الْعَزِيز بْن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز قَالَ:
توفّي أَبِي وَمَا استوفى الْأَرْبَعين ا.هـ
إنها سن الأربعين حد الاستواء ومنتهى الكمال:
قال أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد
الرامهرمزي الفارسي (المتوفى: 360هـ)
في كتابه
المحدث الفاصل بين الراوي والواعي
(ص: 353): وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ (يعني على المحدث)
أَنْ يُحَدِّثَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ،
لِأَنَّهَا حَدُّ الِاسْتِوَاءِ وَمُنْتَهَى الْكَمَالِ،
 نُبِئَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم  وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ،
وَفِي الْأَرْبَعِينَ تَتَنَاهَى عَزِيمَةُ الْإِنْسَانِ وَقُوَّتُهُ،
 وَيَتَوَّفَّرُ عَقْلُهُ، وَيَجُودُ رَأْيُهُ ...:
فِي الْأَرْبَعِينَ إِذَا مَا عَاشَهَا رَجُلٌ
 مَا أَوْضَحَ الْحَقَّ وَالتِّبْيَانَ لِلرَّجُلِ
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرٌ كَثِيرٌ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:
«تَمَّتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ الْأَرْبَعِينَ، وَمَاتَ فِيهَا»
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ وَقَدْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً:
عِشْتُ نِصْفَ عُمَرِ الْهَرَمِ
وَكَانَ لَا يَدْخُلُ دَارَ النَّدْوَةِ إِذَا حَزَبَ أَمْرٌ، إِلَّا ابْنُ أَرْبَعِينَ وَصَاعِدًا
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ،
 ثَنَا االرِّيَاشِيُّ، 
عَنِ ابْنِ سَلَّامٍ، 
عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ. ا.هـ
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره:
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ،
عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:
 قُلْتُ لِمَسْرُوقٍ: مَتَى يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِذُنُوبِهِ؟
قَالَ: إِذَا بَلَغْتَ الْأَرْبَعِينَ، فَخُذْ حِذْرَكَ.
قلت: رواه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور
وقال خليفة بن خياط في تاريخه (ص: 321):
وَحَدَّثَنِي عُثْمَان بْن عُثْمَان
قَالَ نَا عَلِيّ بْن زيد بْن جدعَان
قَالَ سَمِعت عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : قَالَ:
 تمت حجَّة اللَّه عَلَى ابْن الْأَرْبَعين وَمَات لَهَا
قلت: أخرجه أيضا: ابن بشران في الجزء الأول والثاني من الفوائد (ص: 231) رقم (700)، وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 334) وابن عساكر في تاريخه: (45/ 248) من طرق عن عثمان به.
وفي كتاب الطبقات الكبرى للحافظ ابن سعد (6/ 277)
 قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ،
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو،
عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى خُلُقٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ
قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ احْتَفِظْ بِنَفْسِكَ ا.هـ
وفي كتاب الزهد لأحمد بن حنبل 
وتفسير الطبري
عَنْ مُجَالِدٍ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ،
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
 «إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَه»
وقال السيوطي في اللآلىء المصنوعة (1/ 126):
وَفِي مَعَانِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لِبَعْضِ تَلامِذَةِ الْمُبَرِّدِ قَالَ:
كانَ الرَّجُلُ فِيمَا مضى إِذا بلغ أَرْبَعُونَ سَنَةً قِيلَ لَهُ خُذْ حَذَرَكَ مِنَ اللَّهِ

وَيُنْشِدُونَ:

(إِذَا مَا الْمَرْءُ قَصَّرَ حِينَ مَرَّتْ ...
عَلَيْهِ الأَرْبَعُونَ عَنِ الرِّجَالِ)
(وَلَمْ يَلْحَقْ بِصَالِحِهِمْ فَدَعْهُ ... 
فَلَيْسَ بِلاحِقٍ مَرَّ اللَّيَالِي) ا.هـ
وفي سير أعلام النبلاء (36/ 95)
وتاريخ الإسلام (33/ 244) وكلاهما للذهبي:
قال السّمعانيّ:
وَقَالَ هِبَةُ اللهِ بن طَاوُوْس:
أَنشدنَا رزق الله لِنَفْسِهِ:
وَمَا شَنْآنُ الشَّيْبِ مِنْ أَجْلِ لَوْنِهِ*
وَلَكِنَّهُ حَادٍ إِلَى البَيْنِ مُسْرِعُ

إِذَا مَا بَدَتْ مِنْهُ الطَّلِيْعَةُ آذَنَتْ*
بِأَنَّ المنَايَا خَلْفَهَا تَتَطَلَّعُ

فَإِنْ قَصَّهَا المِقْرَاضُ صَاحَتْ بِأُخْتهَا*
فَتَظْهَرُ تَتْلُوْهَا ثَلاَثٌ وَأَرْبَعُ

وَإِنْ خُضِبَتْ حَالَ الخِضَابُ لأَنَّهُ*
يُغَالِبُ صِبْغَ اللهِ وَاللهُ أَصْبَغُ

إِذَا مَا بَلَغَتَ الأَرْبَعِيْنَ فَقُلْ لِمَنْ*
يَوَدُّكَ فِيمَا تَشْتَهِيْهِ وَيُسْرِعُ:

هَلِمُّوا لِنَبْكِي قَبْلَ فِرْقَةِ بَيْنِنَا*
فَمَا بَعْدَهَا عَيْشٌ لَذِيْذٌ وَمَجْمَعُ

وَخَلِّ التَّصَابِي وَالخَلاعَةَ وَالهَوَى*
وَأُمَّ طَرِيْق الخَيْرِ فَالخَيْرُ أَنْفَعُ

وَخُذْ جُنَّةً تُنْجِي وَزَاداً مِنَ التُّقَى*
وَصُحْبَةَ مَأْمُوْنٍ فَقَصْدُكَ مُفْزِعُ ا.هـ
وقال هناد بن السري في الزهد (2/ 356)

حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ:
" كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً تَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ ا.هـ
إني هاهنا أقول –وأسأل الله الصدق والإخلاص فيما أقول-:
«اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ»
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي،
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي،
اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي،
وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي،
وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي»
وأتمثل قول بعض المعاصرين وقد بَلَغ الْأَرْبَعِينَ:
سِنِينٌ تَنْقَضِي لَمْ أَدْرِ عَنْهَا ... وَأَوْقَاتٌ تَرُوحُ وَمَا فَطِنْتُ
إِلَهِي قَدْ رَفَعْتُ إِلَيْكَ كَفِّي ... بِجَوْفِ اللَّيْلِ مُنْفَرِدًا رَجَوْتُ
فَأَنْتَ إِلَهُنَا الْغَفَّارُ رَبِّي ... مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتٍ قَرَأْتُ
قَبُولُ التَّوْبِ فِي الشُّورَى وَعَفْوٌ عَنِ الْأَوْزَارِ؛ لِلْقَوْلِ اسْتَجَبْتُ
وَفِي الْأَحْقَافِ وَعْدٌ مِنْكَ حَقٌّ ... لِمَنْ بَلَغَ الْأَشُدَّ؛ وَقَدْ دَعَوْتُ

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق